ثلاث عهود... لنا شهداء!؟
١- العهد الملكي، ٢- نظام الحكم، ٣- السيرة الذاتية، ٤- أخي الملازم الأول الطيار أكرم الدجيلي، ٥- المبدأ والشهادة.
تأسست الدولة العراقية عام ١٩٢١. الدولة مرت بمراحل متعاقبة ومعقدة. العراق تحرر من سلطة الدولة العثمانية بعد الحرب العالمية الأولى بمساعدة القوات البريطانية. وأصبح العراق تحت الانتداب البريطاني. بدأ الصراع السياسي يبرز في المجتمع العراقي وظهرت الحركات والتيارات الوطنية والقومية.
وبعد الحرب العالمية الثانية وأحداثها! انقسم العالم إلى معسكرين: رأسمالي واشتراكي.
وظهر الاستقطاب السياسي والفكري. وخضعت الدول العربية لسيطرة إنكلترا وفرنسا. وهنا برزت التيارات الوطنية… والصراعات السياسية… بطلب التحرر من هيمنة هذه الدول.
العراق ليس بعيدا عن هذه الأجواء!
القضية الأهم في موضوعنا هي انتفاضة الشعب العراقي. فجاءت انتفاضة ٢٢ تشرين الثاني١٩٥٢ فهزت كيان السلطة الملكية وعمت التظاهرات والصدامات.
وهنا أسرد السيرة الذاتية… كنت في ذلك الحين طالب متوسطة في ثانوية الكاظمية. شاركت بمظاهرات في مدينة الكاظمية. كان لها صدى واسع ومشاركة جماهيرية. وبعدها قررنا الذهاب الى بغداد للمساهمة بالمظاهرة الكبرى هناك. وصلنا جانب الكرخ قرب سينما الارضوملي. سرنا بمظاهرة كبيرة ومعنا كثير من النساء المشاركات في هذه المظاهرة. وسرنا نحو جسر مود والاندماج بمظاهرة ومسيرة شارع الرشيد. عند وصولنا جسر مود واجهتنا قوة من الشرطة من الجهة المقابلة.
لمنعنا من الوصول إلى شارع الرشيد!
كنت مقابل حامية الشرطة تقابلنا بالرصاص ونحن بالحجارة!!
خلال ذلك في منتصف جسر مود أصبت بطلق ناري في رجلي اليمنى!
وشعرت بالخدر وعدم القدرة على المشي وحملوني أصدقائي وعدنا إلى الكاظمية.
وعند وصولي علم الأهل بالأمر وخاصة الوالدة التي علا صراخها قلقا عليّ. حتى جاء أخي أكرم وحملني في سيارته وذهب بي إلى المستشفى الملكي في باب المعظم!
أدخلوني في إحدى الردهات… وهي مملوءة بالمصابين المشاركين في الانتفاضة. أجريت لي عملية جراحية لأن الطلقة كانت مستقرة في أسفل فخذي الأيمن!!
الدكتور الجراح آنذاك كان الدكتور كمال السامرائي. اخرج الطلقة وقال لي: أنت محظوظ كان بالإمكان قطع رجلك.
كان أخي أكرم حاضرا يتابع الأمر وقال لي سوف أعود وأجري اللازم لإخراجك من المستشفى. حصلت المفاجئات… أعلنت الأحكام العرفية وشكلت حكومة عسكرية.
وبعد ثلاث أيام طوقت الردهة من قبل الشرطة والعسكر. أخرجونا مكبلين بالقيود وساقونا بسيارات عسكرية إلى مركز شرطة باب المعظم القريب من ثانوية الرصافة. أدخلونا غرفة الموقف وهناك وجدت نخبة من السياسيين المعتقلين. أذكر منهم الشاعر حسين مردان الشاعر الكردي، إسماعيل البستاني وضياء العكيلي.
كانت حالتي الصحية غير جيدة. عند الصباح يخرجونا في ممر المركز وتأتي الشرطة السرية للنظر إلى وجوهنا وتشخيص الأفراد الذين أحرقوا الملحقية الثقافية الأمريكية في شارع الرشيد. وبعد أن قضيت حوالي شهر ونصف في الموقف وأصبت بالتدرن الرئوي، سعى الوالد لإخراجي من هذا المأزق. حولت قضيتي إلى المحكمة في مركز شرطة الشواكة. أخذوني إلى هناك إلى المركز مقيدا بسلاسل حديدية. حضر الى المركز الدكتور صادق العاملي وكان عسكريا لتدبير أمر الإفراج عني. وتمت الإجراءات المطلوبة وحدد موعد إجراء المحاكمة. وعند موعد المحاكمة أفرج عني بكفالة مالية قدرها ٥٠٠ دينار وبحضور ابن عمتي الزعيم الطيار جواد الصفار وحرماني من الدراسة لمدة سنة… وهنا أتوقف عن سرد قصتي.
الحدث الكبير في تاريخ العراق ثورة ١٤ تموز ١٩٥٨ هذه الثورة شملت الوطن كله.
كان أخي أكرم يتميز بالذكاء والثقافة. قبل ثورة تموز أذهب معه بسيارته إلى منطقة الأعظمية ويتركني في السيارة وعند قدومه أسئلة: ما هذا الموعد؟! كان يضحك… ويقول أنت ناضلت واعتقلت وتحملت الكثير… لابد لهذه الأحلام من التحقيق!! سوف تسمع أخبار سارة وحدث مهم!
كنا دوما نتحدث بهذه المشاعر الوطنية والآمال العريضة!
نعم حلت علينا أفراح تموز… ولكن لم تدم طويلا!! كانت نهايتها الأحزان!! تكالبت قوى الردة وعملاء الأجنبي لإسقاط هذه الثورة ولعبت بعض دول الجوار دورا خطيرا لوأد هذه الثورة. حلت على العراق غمامة سوداء… أوغلت في أرض الرافدين القتل والجريمة. وفي غفلة من الزمن أمسكت الغربان السوداء السلطة وبدأت فصول الجريمة والإرهاب.
وهنا أود الإشارة إلى حركة الشواف في الموصل… هي أحدى خيوط المؤامرة والتمرد على النظام.
في ذلك الوقت كان أخي الطيار في قاعدة الحبانية… هناك حيكت أحدى خيوط المؤامرة.
أمسك أخي أحدى خيوطها… ساهم مع زملائه بإفشال هذه المؤامرة، بإمساك وثيقة خطيرة فيها أسماء باغتيال الطيارين الوطنين وكان اسم اللواء الطيار جلال الأوقاتي وأسم أخي وآخرين… والمنفذين لهذه العملية حردان التكريتي ومنذر الونداوي.
أتصل أخي بالطيار جلال الأوقاتي وأخبره بهذه الخطة والوثائق والمتمسكات التي كانت في حوزة حردان والونداوي. أخبر الأوقاتي الزعيم عبد الكريم قاسم بالأمر وأصدر أمرا بالقبض عليهم وإيداعهم السجن في القاعدة. وطلب من أخي تنفيذ الأمر. وبعد فترة ليست طويلة أصدر أمر بإطلاق سراحهم!!
كان المرحوم عبد الكريم قاسم رجل طيب ومتسامح ولم يدرك أبعاد الجريمة والمؤامرة!!
آلت الأمور عكس ما يتصوره الوطنيون؟! عادت الغربان السوداء تأخذ مواقعها القيادية. أصبح أخي مستهدفا؟! جرت عدة محاولات لاغتيال أخي أثناء ذهابه في أيام العطل إلى بغداد؟!
طلب أخي نقلة من الحبانية إلى بغداد وحصل ذلك.
في يوم ١٣ تموز ١٩٥٩ كان موعد التحضير لاحتفالات ١٤ تموز أن يقوم سرب من الطائرات والطيارين القيام بالاستعراض لهذه المناسبة على أن يلتحق اثنان من أفراد الطيارين من قاعدة الحبانية لتكملة التشكيلة!! ولم يحصل ذلك… حصل المحضور!! كانت عملية مدبرة وخطط لها مسبقا. دبرت هذه الغربان أول جريمة وبدأت خيوط التآمر! لهذا التحق أخي وصديق له لتكملة السرب…وهنا كان بيت القصيد؟!
ودبرت عملية التخريب لهاتين الطائرتين وكان الضحية أخي وصديقه!!
المسرحية التآمرية أخذت فصولها… وحصدت أرواح ودماء.
في هذا العهد الأول لجمهورية العراق ١٩٥٨ وفي ١٣ تموز ١٩٥٩ سقط أول شهيد أخي الحبيب أكرم الدجيلي.
بطل في عنفوان الشباب… بدأت أولى الأحزان والجريمة… كانت صدمة مروعة ومأساة لعائلتنا والمحبين للوطن.
21 آذار 2007
بكينا جميعا… وبكيت بحزن عميق لأني فقدت أخا لا يعوض!
شعرت بالوحدة والغربة عن هذا الوطن! راجعت نفسي وذاتي بأن أخي مات شهيدا لأجل هذا الوطن!… ما هو ثمن ما حصل لهذا الوطن… لأن إحساسي وجذوري هي أرضي وسمائي وأصولي هي نخيل العراق! أما غربتي… هي هروبي من واقع معترك الحياة!
لازلت أفتقدك يا أخي لا يسعني سوى القول رحمك الله! وإنا لله وإنا إليه راجعون.
الشهيد عبد الأمير الدجيلي…
عهد السفاح صدام ونظامه الفاشي
نبذة من حياته: شارك في انتفاضة ١٩٤٨ وحبس على أثر ذلك! أخرجه والدي من الموقف، وكان قد أنهى دراسته الثانوية. أرسله والدي للدراسة إلى أمريكا.
عند عودته إلى الوطن عُين موظف في المصرف الصناعي في بغداد لمدة طويلة… وبعدها في الصناعات الخفيفة بدرجة خبير، أقدم وطالت خدمته في الدولة ٣٥ سنة.
أحيل على التقاعد في ١٥ أيلول ١٩٨٩. مورست عليه الضغوط بطلب الانضمام لحزب البعث. رفض ذلك.
هذه نبذه مختصره عن حياة أخي وهنا أريد أن أدخل في موضوع أسباب اعتقاله وتصفيته!!
بعد أحداث ٢ آب ١٩٩٠ عند احتلال دولة الكويت وتحريرها سنة ١٩٩١ كانت هزيمة نكراء للنظام بعد طرده من دولة الكويت وتمرد ١٤ محافظة ضد النظام! وانتفاضة في الجنوب (الثورة الشعبانية البطلة). بدأت اللعبة السياسية والمؤامرة الإقليمية والدولية! بإعادة نفوذ النظام الصدامي لقمع الانتفاضة والسيطرة على الأوضاع من جديد!! وبعد ذلك عندما سيطر النظام…عم الدمار والخراب والإبادة الجماعية لكل الوطنين المخلصين. هذه المظاهر المرعبة المأساوية عاش فصولها الشعب العراقي بحزن عميق. هذه الفصول المأساوية عاشها كثير من أبناء العراق ودفعوا ثمنا باهظا وهنا أراد أخي أن يعبر عن هذه المآسي من نظام دولة الجريمة والرعب؟!
كتب أخي رسالة إلى شخص في الخارج وهو أحد الأقرباء! عن مشاهداته أثناء قيامه بسفرة إلى منطقة الجنوب لزيارة مقبرتنا في النجف، بعد الانتفاضة في محافظات الجنوب. ولم يمضي على هذه الأحداث بعد قمعها سوى أيام. أثناء ذهابه إلى هناك شاهد مناظر مرعبه (دمار شامل وهائل في مدن كربلاء والحلة والنجف) تهديم الدور والشوارع والبساتين وجثث القتلى مرمية بين الدور والشوارع. وعند وصوله إلى النجف صعق لما شاهده- تدمير الصحن الشريف للإمام علي (ع) والتهديم المثير للرعب داخل مقام الإمام والأسوار… قال ما أرى وأشاهد كأنها نهاية الحرب العالمية الثانية!! عند ذهابه إلى المقابر في النجف… صعق أيضا من صور مرعبه لهذه المقابر من تهديم وتدمير ومسح تام لهذه القبور. لم تصدق عيناه هذه المشاهد!! أثناء رجوعه إلى بغداد كان مذهولا وكأن صاعقة نزلت عليه!
هذه المشاهد والصور… دونها برسالة إلى أحد أقرباءه في لندن! وحصل ما حصل…
في الشهر الخامس سنة ١٩٩١ اتصلت المخابرات تلفونيا بدار أخي وطلبت حضوره إلى مقر المخابرات في المنصور مع عائلته. بعد التحقيق سألوه هل هذه رسالتك وخطك وتوقيعك؟ قال أخي نعم. أنت معتقل… وبعد أسبوع من حادثة الاعتقال صدر أمر من الجهات الأمنية بمصادرة الأموال المنقولة والغير منقولة ومصادرة سيارته!!
مرت ست شهور ولا نعرف عنه أي خبر!! بذلنا كل جهد ممكن لمعرفة مكان تواجده وأعطينا كثير من الأموال… ولم نحصل على أي نتيجة؟! بعد فترة اتصلت المخابرات عن موعد ومكان المقابلة!! الزيارة في سجن أبو غريب قسم الأحكام الطويلة.
ذهبنا عند أول مقابلة لم تصدق عيوننا ما نراه!!! أخي أصبح شبح نحيف كأنه خرج من القبور!!! أخبرنا همسا بأنه مسجون في دائرة المخابرات في المنصور. قال أخي: لا نعرف النهار
ولا الليل. لا توجد رحمة عند هؤلاء الخنازير. المعاملة قاسية ومرعبة!!
استمرت الأمور لأخي في سجن المخابرات ثلاث سنوات!! آخر زيارة كانت في كانون الثاني سنة ١٩٩٤ انقطعت المقابلة وعدة أشهر لم نعرف أي خبر عنه لتلك الفترة. ساورنا القلق والخوف ولا ندري ماذا نفعل؟!! القصة بدأت نهاية فصولها… اتصلوا بأخي سليم لاستلام جثة أخي عبد الأمير من سجن أبو غريب. استلمنا الجثة وذهبنا لإجراء غسله، وجدنا أثار التعذيب في جسده!!! من شهادة الوفاة عرفنا بان أخي قتل قبل ذلك بشهر!!!!!
لم تصدق أعيننا… ذلك! لماذا لا تصدق عيوننا ذلك ونحن نعيش في دولة القانون والحضارة!!! كانت مأساة الحقيقة التي سردها أخي دفع ثمن نشر الحقيقة!! خسرنا شمعة انطفأت أراد بها إرسال الضوء إلى العلم الخارجي! وهذه القصة هي جزء من المآسي والكوارث التي حلت بالوطن.
كانون الأول 2006
النهاية… فلم رعب غريب الأطوار، قصة وحزن واستهانة بالبشر لا نجد مثيلها في كتب التاريخ سوى في سلطة البعث الصدامي!! هذه الوجوه الكالحة لا تعرف الرحمة ولا قانون السماء والأرض!!
لا غرابة… الموت هو واحد وإن تعددت الأسباب، لكن لعذابات هؤلاء الشهداء صرخات بركانية ولعنة أبدية!!
الأرض تروى بالدماء… لتكون نهاية الطغاة!!
سقوط نظام الطاغية ومفاجئات التحرير؟!
عهد نظام الطاغية عهد شؤم ومصائب ودمار ودموع وأحزان ودماء وتهجير!
في هذا العهد أود أن أسرد حادثة لها دلالتها لدور هذا العهد المشؤوم!
هنا أسرد حادثه لأخي سليم… وكل فرد ينظر للأمور من زاوية مختلفة!
كان أخي طيب القلب كريم النفس، عطوف يحب الجميع، ويتفقد كثير منا.
علما إنه كان كثير الأصدقاء والمعارف وكريم الجود.
الشيء المعروف عنه طوال عمره لم يتدخل بالسياسة، وكان بعيدا عنها!
منذ العهد الملكي والجمهوري… ولكن في عهد الطاغية صدام مورست بحقه عملية رعب البعث الفاشي!
من الطبيعي الفرد في دولة الظلم والإرهاب يعيش المرء بالقدرة! المسالم لم يسلم من هذا النظام!
القصة وما فيها كان أخي يشرف على أرث العائلة… كان يدير كراج فرمان فيه ساحة كبيرة لوقوف السيارات ومحلات للإيجار.
عندما بدأت الحرب القذرة مع الجارة إيران وما آلت إليه الظروف والأوضاع من تدهور اقتصادي واضطهاد أمني لكل فرد من المجتمع العراقي!
كان أزلام النظام يمارسون الاضطهاد والقوة المفرطة على الساحة السياسية!
وهنا كانت فرصة أفراد الحزب والجيش الشعبي ابتزاز الناس على كل المستويات.
تفشت في المجتمع أمراض الرشاوى وهتك الأعراض والفساد الخلقي وانتشار الدعارة!!
في عام ١٩٨٣ عند بدايات الحرب مع إيران… أفراد الحزب والجيش الشعبي يصولون ويجولون في أحوال الناس وكأن الناس لعبة في أيديهم!! وإن قصص سلب الناس النقود والهدايا شيء عادي عندهم!
هؤلاء مرتزقة النظام أثروا بشكل بشع وفاحش على حساب وضحايا الآخرين!
في ذاكرة العراقيين كثير من القصص لهؤلاء المرتزقة قصص لا يتصورها العقل!!
أدخل في الموضوع… المهم، أحد أفراد الجيش الشعبي في منطقة الكاظمية طلب من أخي سليم تأجير الكراج! واخذ يهدد ويلح بطلبه هذا! أخبره أخي بأنه لا يمكن تأجيره وان الملك ليس لوحده.
وهذا مصدر رزق لهم ويتطلب الأمر أخذ المشورة وموافقتهم!!
الشخص من الجيش الشعبي أخذ يهدد بشكل استفزازي!! سوف ترى كيف آخذه منك… سترى نفسك وين!!
وبعد الحادث بثلاث أيام… قدمت سيارة فيها شخصان يسألان عن اسم أخي!! وقال لهم أنا سليم! أنت صاحب الكراج… قال نعم!! أنت معتقل وعليك تهمة!! واصعدوه بالسيارة وعصبوا عينيه بقطعة قماش سوداء على!! ووضعوا القيد في يديه!!وسارت به السيارة نحو المجهول؟! وأدخلوه عدة بيوت خاصة بهم وهو معصوب العينين!! عدة بيوت مخصصة للاستجواب والتحقيق! وقالوا له: أنت قلت إذا انتهت قادسية صدام ستأتي قادسية برزان!! عندنا مسجل يثبت ذلك!! قال أخي لم أقل ذلك أبدا وإذا كان عندكم مسجل مستعد تحمل المسؤولية!!
لم أقل هذا الكلام… استخدموا التهديد والوعيد بأن يعترف!! وظل يرفض ذلك!! وقال عندي شهود إثبات ما حصل مع هذا الشخص الذي اتهمني وهددني وذكر اسم الشاهدين.
استمر الحجز مدة أسبوع في احدى دور الأمن في الكاظمية وبعدها نقل إلى مديرية أمن بغداد… وهو معصوب العينين!!
كانت أيام حافلة بالقساوة والتعذيب قضى ٢٨ يوما وشاهد هناك أحداثا دامية ومرعبة، شبابا ورجالا ونساء وأطفالا يمارسون بحقهم صنوف وفنون التعذيب…
لا رحمة لهؤلاء المجرمين القساة!!
من الطبيعي… مورست مع أخي أصناف من الضرب والتعذيب والشتائم: أنت كاظماوي وشيعي!!! كان يضرب بالكبلات والصونده.
لا استغراب لهذه الممارسات هي هواية هؤلاء الخنازير.
مرت أيام وليالي٢٨ يوما لم يذق طعم الراحة ولا يعرف النهار من الليل أو الليل من النهار!!! واستدعي أخي من قبل هذه الزمرة القذرة… قالوا جلبنا الشاهدين والواشي!!
عندما شهد الشاهدين… لم يحاسبوا الشخص الواشي. وبعد ثلاث أيام طلبوا منه الإفراج والخروج وأخبره أن لا يخبر أحد بما حدث!! وقل بأنك كنت مسافر إلى البصرة!!
شرح لنا هذه القصة… وذهلنا لِما نسمع… من دولة لا قانون.
وشاهدنا أثار الضرب عليه والمعاملة القاسية المرعبة… شيء لا يصدق…هذه هي بركات نظام العهد الصدامي!!
والآن ندخل في عهد التغيير، أنعم وطننا بالتحرير وشعرت الناس بان الحياة بدأت من جديد!! النفوس كلها تتطلع إلى الحرية والسلام! وقلنا جاء الأمل وعمت الأفراح…
وبدأ عالم جديد بعيد عن الطغيان والمظالم! وتلاشت الآمال والظنون رويدا رويدا والشيء المؤسف أنهم لم يقضوا على بؤر أزلام النظام والجريمة!! ودخل العراق في موجة إرهاب من الداخل والخارج، أثاروا الرعب والتدمير والتهجير وكذلك تمويل المصادر الإرهابية بالمال والسلاح من دول الجوار!! فجاء مخاضها شرها أكثر من خيرها. والآن في عهد التغيير… بإمكان الناس السفر، وكانت رغبة أخي السفر بعد العذابات والأيام المرهقة المرعبة!!
اتصل ابن أخي سليم بأنه سوف يرسل له دعوة…
استلم الدعوة من السفارة الهولندية من عمّان.
سافر أخي وزوجته إلى عمّان في بداية الشهر التاسع من عام ٢٠٠٦.
وهناك بدأت رحلة المتاعب والانتظار الطويل.
كان آخر اتصال معه قبل سفره نحو بغداد بأيام. قال لي سوف أذهب إلى بغداد لإنهاء بعض الأمور والعودة مرة ثانية… وسوف أجد الدعوة في الانتظار!!
وبعد ثلاث أيام من عودته… ذهب بسيارته لشراء الخبز من أحد المخابز في ساحة قحطان في منطقة اليرموك. كان يوم الجمعة ظهرا من شهر رمضان المبارك.
فوجئ الواقفون أمام المخبز بنزول زمرة إرهابية من السيارة ويطلقون النار عليهم… كانت مفاجأة غير متوقعة… وأسرع أخي نحو سيارته للابتعاد… أصابته طلق ناري في صدره… وعلى أثرها فارق الحياة!!!!!!
فقدنا احدى شموعنا… أخا عزيزا وغاليا… كانت نهاية مرعبة وحزينة!!
هكذا سقت الدماء البريئة أرض العراق!!!! انطفأت شمعة غالية علينا…
كنا نحترق شوقا لرؤياها بعد غيبة طويلة!!
فوجئنا بأزلام الغدر والجريمة لحصد الأرواح البريئة في شهر رمضان هؤلاء لا يعرفون أيام الحرم ولا قدسيتها فهم فضلات وكلاب مسعورة للنظام السابق!! اللعنة، اللعنة عليهم… يا رب إليك المشتكى.
كانون الأول 2007
أود أن أذكر شيئا مهما عند سرد هذه الأحداث التي حصلت لنا وما حلت بنا من ضربات الجريمة في العهد الجديد… عهد التحرر!!
لابد من الإشارة بأن أخي الحاج عبد الرزاق وهو أكبر أفراد العائلة سنا!
في سنة ٢٠٠٤ وهو يسكن في منطقة المنصور… المنطقة الملتهبة لعصابات الجريمة والإرهاب في العهد الجديد! خرج أخي من داره لشراء بعض الحاجيات… وأثناء عبور الشارع فاجأته سيارة مسرعة بشكل جنوني لأحد أفراد الإرهاب… وكان مطارد من قبل المسؤولين!!!
دهس أخي يوم ٥ تموز ٢٠٠٤ وسقط أخي على الأرض! وحُمل بعد ذلك إلى مستشفى اليرموك… وبعدها فارق الحياة يوم ٧ تموز ٢٠٠٤. وهكذا فقدنا أربعة من أفراد عائلتنا…
لا يسعني سوى القول… لا حول ولا قوة إلا بالله!!
وأنا لله وأنا إليه راجعون…
24 آذار 2007